تاريخ بلدة طنبوريت
 
 

طنبوريت

كرم الضيافة

 
 

 تاريخ بلدة طنبوريت

 

     هناك بين أشجار الصنوبر والزيتون وزقزقة العصافير بأشكالها المتنوعة ورائحة الهواء النقي العطرة، فإذا وقفت في أقصى جنوب مدينة صيدا ونظرت شرقا ً فيلفت نظرك جبل لا يتجاوز ارتفاعه ٣٥٠ مترا ً عن سطح البحر، ومحاط بواديين حيث يجري نهر في الوادي المحاذي  للجهة الشمالية منه وساقية في الوادي  المحاذي للجهة الجنوبية منه، فما أن تأخذك الدهشة فتقف مسحورا ً قائلا ً: "سبحان الخالق! هل هذه هي جنة الله على الأرض؟" لا، بل إنها بلدة "طنبوريت".      

لا يتجاوز عدد سكان "طنبوريت" الألف وخمس مائة نسمة (١٥۰۰) من ضمنهم الأهالي المغتربين، يعمل العديد منهم في حقل الزراعة وكما أنه يوجد فيها عدد من رجال العلم والفكر والمعرفة والفن والدين يشغلون مناصب عدة متنوعة من ضمنها مجال الطب، المحاماة، الهندسة، الصحافة، الدكتوراه، الشعر، بالإضافة إلى عدد من الضباط والخبراء المحلفين ورجال الأعمال.

تسمية البلدة مأخوذة من الطنبور.  والطنابر من آلات الطرب، ذو عنق طويل وستة أوتار نحاسية، أصل التسمية فارسية:  "دنبه بره"، أي ألية الحمل، أما الطنبوراني فهو اللاعب بالطنبور وصاحبه وتأتي زيادة حرفي ال "يت" في نهاية الكلمة من قبيل التأنيث السرياني ل "الطنبور".

و"طنبوريت" حسب السيد عبدو صوما "أبو صوما"، أكبر أهالي القرية الأحياء سنا ً وأدراهم بتاريخ البلدة،  كانت ملكا ً خاصا ً للمير حمام من بلدة "عنقون" في قضاء صيدا وذلك عندما نزحت إليها سيدة من بلدة "جاج" في قضاء جبيل إثر حادثة حصلت لزوجها ورافقها في النزوح ثلاثة من أبنائها الذكور وبقي واحد منهم   في "طنبوريت" وتفرق الآخران وبقيت الأم مع ولدها يعملان في الزراعة ونما نسل الإبن وتكاثر ومنه تفرعت عائلات الحاج، خطار، سعد، صوما، عبدالله، عزيز، فرنسيس، كميد، وموسى.                                                                                                                     

ومن بعدها نزح إلى "طنبوريت" عائلات عساف وشلهوب من بلدة "كفرجرة" قضاء صيدا، مخول وأسعد من بلدة "كفرتاي" في المتن الأعلى من محافظة جبل لبنان، عائلة مغيزل من بلدة "المحاربية" قضاء صيدا، بالإضافة إلى عائلة مخايل من بلدة "جدرا" قضاء الشوف.  إختلطت هذه العائلات وتزاوجت من بعضها البعض وكثر أبناء البلدة حتى وصل عدد منازلها لتاريخ اليوم بما لا يقل عن المئة وثلاثون (١٣٠)  منزلا ً مبعثرة هنا وهناك في جميع أنحاء البلدة حيث تضفي عليها جمالا ً ورونقا ً.  وحسب ما ورد في شجرة العائلة التي قام بإنشائها السيد مسعد منصور مسعد في ٢ آب سنة ١٩٥۰, أن الشدياق شاهين المشروقي الذي ولد  في لبنان عام ١٤٧٠ وحط رحاله في حصرون قد غرس الشجرة النسبية في البلدة وهو اليوم يعرف بالجد الأول لبلدة "طنبوريت".

في طريقك إلى مغدوشة تعرج نحو درب السيم فترى إلى يمينك على جبل صغير مقام للسيدة العذراء "سيدة المنطرة" حاملة الطفل يسوع على يديها في بلدة مغدوشة يصحبك عبر مرورك في بلدة درب السيم وفي نهايتها تجد لافتة حديدية تهديك على الطريق المؤدية إلى بلدة "طنبوريت".  طريق يمتد بعرض أربعة أمتار ويتميز بتعرجاته الصاعدة تظللها حقول الصنوبر والزيتون وحقول ربيعية غطت الجدران الحجرية المتواضعة حتى تصل إلى داخل البلدة من بعد رحلة تبعد عشرة (١٠) كلم عن وسط مدينة صيدا و ثلاثة وخمسون (٥٣) كلم عن مدينة بيروت، عاصمة لبنان.  وإذا وقفت على أعلى نقطة من البلدة ونظرت إلى جهة الشرق فترى بلدة عنقون حيث تشرق الشمس من وراء الجبال الشامخة, وإذا أدرت وجهك إلى جهة الغرب فترى بلدة درب السيم كما يبدو أيضا ً منظر البحر الخلاب حيث يمكنك مشاهدة مغيب الشمس وهي تختفي وراء المياه المتلألئة لتعلن عن نهاية نهار في "طنبوريت" وبداية نهار جديد في عالم آخر.  وأما إذا نظرت إلى جهة الجنوب فترى بلدة مغدوشة حيث يلفت أنظارك برج السيدة العذراء "سيدة المنطرة"، وأخيرا ً إذا نظرت إلى جهة الشمال فترى بلدة المجيدل وتبدو خلفها سلسلة من الجبال العالية.

 وحكاية الضيافة حكاية تاريخية من عمر هذه القرية كما يقول أبو صوما مستذكرا ً مثلا ً محليا ً "يا بدك تاكل يا بتاكل قتلة" وبأن من يزور "طنبوريت" ما عليه إلا أن يحمل عددا ً من الجاكيتات ليس من السرقة ولا خوفا ً من شهية الأهالي على الهدايا بل لأنهم ولكثرة ما يتمسكون بضيفهم قد يمزقون له سترة أو اثنتين حتى  يفوزون به ضيفا ً ولو كان غريبا.ً                                                              

هذه هي معادلة الكرم والضيافة في "طنبوريت" فبدت تعرف بكرم الضيافة وأصبحت هذه العبارة جزء من تراث القرية تعبر عنها أيضا ً وفرة المطاعم المزروعة  في أحضان الطبيعة من دون أية تشويهات اسمنتية والمشرفة على أروع وأجمل مناظر الطبيعة الخلابة لكي تستمتع بتناول طعامك. 

إن الهاجس العام يجمع أهالي البلدة ويوحدهم، وهم يحبون المبادرة ولا ينتظرون أو يتوقعون أن تأتيهم المساعدات من الدولة وغيرها، فقد قام الأهالي بإنشاء مشاريع عديدة  كشق طريق البلدة على نفقتهم وإبقاء طرقاتها نظيفة رغم عدم وجود بلدية.   ويحافظون على عاداتهم وتقاليدهم ويحتفلون بأعيادهم الدينية في كنيسة مار عبدا شفيع البلدة وراعيها التي هي أيضا ً تأسست على نفقة أجدادهم في السابع عشر من كانون الثاني سنة ١٨٨٦ بإذن من سيادة المطران بطرس البستاني السامي الإحترام, مطران صور وصيدا آنذاك, حيث كان أهالي البلدة قليلوا العدد يقومون باقتلاع الحجارة  من المحلة المعروفة بإسم "الزغرين" التي تقع في شمال شرق البلدة على بعد مسافة لا تتجاوز الألفي (٢٠٠٠) متر عن موقع الكنيسة الحالي،  وينقلونها على ظهور الدواب وأكتاف الأهالي آنذاك إلى وسط البلدة وكلا ً منهم صابر في العذاب والجوع حتى عجب الفقر من تقشف صابر.  فشيدوا كنيستهم الأولى التي حملت إسم القديس مار عبدا والتي يحتفلون فيها بالقداس الماروني من قبل آباء تعاقبوا على خدمة مذبحها وآخرهم الأب لويس المندلق من بلدة المجيدل قضاء جزين الذي ما يزال خادما ً للرعية منذ عام ١٩٦٢.

ومع تعاظم مكانة القديس مار عبدا في أوساط رعية بلدة "طنبوريت" ومع ازدياد عدد المؤمنين برزت الحاجة منذ أعوام إلى تشييد كنيسة جديدة تتسع لجميع المؤمنين طالبي العبادة  يقيمون فيها واجباتهم الدينية وفيها يلتقون لعبادة ربهم, فأعدت لجنة وقف مار عبدا العدة وعقدت النية على المباشرة ببناء كنيسة شفيعها الجديدة بمؤازرة لجنة الكنيسة والأهالي في المهجر والحضر وبمباركة ورعاية أبرشية صيدا المارونية وعلى رأسها رئيس الأساقفة سيادة المطران طانيوس الخوري السامي الإحترام ونائبه العام المونسنيور يوحنا الحلو.  وفي نهار الأحد الواقع في ۲٩ آب سنة ١٩٩٨ لبى الجنوب كله دعوة أبناء "طنبوريت" لمشاركتهم الإحتفال بوضع حجر الأساس لبناء كنيسة جديدة بحضور حشد هائل من أبناء المنطقة وكان بينهم شخصيات رسمية وفعاليات جنوبية لها في كل عمل خير أياد  بيضاء.

وبالرغم من أن بلدة "طنبوريت"  كونها بلدة  صغيرة وعدد سكانها قليل فهذا لا يمنع الأهالي من المبادرة على تحقيق طموحاتهم التي يهدفون إليها ويسعون لإنجازها، فأصر أهالي البلدة على تأسيس نادي رياضي وثقافي وإجتماعي يتضمن نشاطات عديدة يقوم بتنفيذها الأعضاء المنتخبين.  وفي سنة ١٩٧٠ قامت الهيئة التأسيسية للنادي المؤلفة من أربعة أشخاص ببناء النادي الذي أطلق عليه إسم "نادي النسر الأبيض" وساهم في بنائه أهالي البلدة والمغتربة أميلين الياس.  تعاقب على إدارته عدد من الهيئات الإدارية المنتخبة التي تشكل سنويا ً،  ومن أبرز النشاطات التي يرأسها النادي حاليا ً هو منتخب فريق لعبة الكرة الطائرة حيث يدعى العديد من الفرق المتنافسة من أهالي المنطقة والجوار وتقام المباريات على أرض الملعب الواقع في ساحة البلدة العامة.

 
 
 
Home   I   Photo Gallery   I   Worldwide   I   Directory   I   Guest Book   I   News
 
Copyright © 2002 - 2003 www.tanbourit.com. All rights reserved.
Designed and Maintained by John R. Khattar.